فصل
يجوز النوح بالكلام الحسن، وتعداد الفضائل مع اعتماد الصدق، لأنّ فاطمة الزهراء عليها السلام فعلته في قولها: « يا أبتاه، من ربه ما(1) أدناه! يا أبتاه، إلى جبرئيل أنعاه، يا أبتاه، أجاب ربّاً دعاه»(2).
وروي: أنّها أخذت قبضة من تراب قبره صلّى الله عليه وآله، فوضعتها على عينيها، وأنشدت تقول:

« ماذا على ( من شمّ )(3) تربة أحمد * أن لا يشمّ مدى الزمان غوالــيــا
صبّــــت عليّ مصـائب لو أنّها * صبّت على الأيّام صرن (4) لياليا»(5)

ولما سبق من أمره صلّى الله عليه وآله بالنوح على حمزة.
وعن أبي حمزة، عن الباقر عليه السلام: «مات ابن المغيرة، فسألت ام سلمة النبي صلّى الله عليه وآله أن يأذن لها في المضي إلى مناحته، فأذن لها وكان ابن عمها، فقالــت:
أنعى الوليد بن الوليد * أبا الوليد، فتى العشيرة
حامي الحقيقة ماجداً * يسمو إلى طلب الوتيرة
قد كان غيثاً للسنين * وجعفراً(6) غدقاً وميرة

ـ وفي تمام الحديث ـ، فما (عاب رسول الله)(7) صلّى الله عليه وآله ذلك، ولا قال شيئاً»(8).
وروى ابن بابويه: أنّ الباقر عليه السلام أوصى أن يندب في الموسم(9) عشر
____________
(1) ليس في « ح ».
(2) ذكرى الشيعة: 72، إعلام الورى: 143، منتهى المطلب 1: 466، صحيح البخاري 6: 18، المستدرك على الصحيحين 1: 382، سنن النسائي 4: 13، سنن ابن ماجة 1: 522| 30.
(3) في « ش » : المشتمّ.
(4) في « ش » عدن.
(5) ذكرى الشيعة: 72، المعتبر 1: 344، منتهى المطلب 1: 466.
(6) الجعفر: النهر. «الصحاح ـ جعفر ـ 2: 615».
(7) في « ش » عاب عليها النبي.
(8) الكافي 5: 117| 2، التهذيب 6: 358| 1027 باختلاف يسير.
(9) في الفقيه: المواسم.

( 104 )
سنين(1).
وروى يونس بن يعقوب، عن الصادق عليه السلام، قال: «قال لي أبو جعفر عليه السلام: قف من مالي كذا وكذا لنوادب يندبنني ـ عشر سنين ـ بمنى أيام منى»(2).
قال الأصحاب: والمراد بذلك، تنبيه الناس على فضائله، وإظهارها ليقتدى بها، ويعلم ما كان عليه أهل هذا البيت عليهم السلام لتقتفى آثارهم، لزوال التقية بعد الموت، ويحرم النوح بالباطل: وهو تعداد ما ليس فيه من الخصال، واسماع الأجانب من الرجال، ولطم الخدود والخدش، وجزّ الشعر ونحوه، وعليه يحمل ما ورد من النهي عن النياحة.
وقال النبيّ صلّى الله عليه وآله: «أنا بريء ممن حلق وصلق» أي: حلق الشعر، ورفع صوته(3).
وقال صلّى الله عليه وآله لفاطمة عليها السلام حين قتل جعفر بن أبي طالب: «لا تدعين بويل ولا ثكل ولا حرب، وما قلت فيه فقد صدقت»(4).
وعن أبي مالك الأشعريّ عن النبيّ صلّى الله عليه وآله: «النائحة إذا لم تتب تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران»(5).
وعن أبي سعيد الخدريّ: لعن رسول الله صلّى الله عليه وآله النائحة والمستمعة(6).
وعنه صلّى الله عليه وآله: «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب»(7).
وهذا النهي محمول على الباطل كما يظهر منها، وبه يجمع بينهما وبين الأخبار
____________
(1) الفقيه: 1: 116| 547.
(2) الكافي 5: 117| 1، التهذيب 6: 358| 1025.
(3) صحيح مسلم 1: 100، وسنن النسائي 4: 20، وسنن ابن ماجة 1: 505، الجامع الصغير 1: 415| 2709، وفيها سلق بدل صلق، وكلاهما صحيح.
(4) الفقيه 1: 112| 521.
(5) الخصال: 226، مسند أحمد 5: 342، صحيح مسلم 2: 644| 934، سنن ابن ماجة 1: 504| 1582، المستدرك 1: 383، الترغيب والترهيب 4: 351| 12.
(6) مسند أحمد 3: 65، سنن أبي داود 3: 194| 3128، الجامع الصغير 2: 408: 7271، الترغيب والترهيب 4: 351| 13، الفتوحات الربانية 4: 129.
(7) سنن ابن ماجة 1: 504| 1584.

( 105 )
السابقة.
وأمّا الخاتمة فتشتمل على فوائد مهمة.
ــ يستحب تعزية أهل الميت استحباباً مؤكّداً، وهي (تفعلة) من العزاء ـ بالمدّ والقصر ـ وهو السلو وحسن الصبر على المصائب، يقال: عزّيته فتعزّى، أي صبّرته فتصبّر.
والمراد بها: طلب التسلّي عن المصائب والتصبّر عن الحزن والإكتئاب، بإسناد الأمر إلى الله عزّ وجلّ، ونسبته إلى عدله وحكمته، وذكر ما وعد الله تعالى على الصبر مع الدعاء للميت، والمصاب بتسليته عن مصيبته. وقد ورد في استحبابها والحثّ عليها أحاديث كثيرة.
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قال: «أتدرون ما حقّ الجار؟ إن استغاثك أغثته، وإن استقرضك أقرضته، وإن افتقر عدت عليه، وإن أصابته مصيبة عزّيته، وإن أصابه خير هنأته، وإن مرض عدته، وإن مات اتبعت جنازته، ولا تستطل عليه بالبناء، فتحجب عنه الريح إلاّ بإذنه، واذا اشتريت فاكهة فأهد له، فإن لم تفعل فأدخلها سراً، ولا تخرج بها ولدك تغيظ بها ولده، ولا تؤذه بريح قدرك إلاّ أن تغرف له منها»(1).
وعن بهز بن حكيم بن معاوية بن جيدة القشيري، عن أبيه، عن جدّه، قال: قلت: يا رسول الله: ما حقّ جاري عليّ؟ قال: «إن مرض عدته» وذكر نحو الأول(2).
وأمّا الثواب فيها: فعن ابن مسعود، عن النبيّ صلّى الله عليه وآله، قال: «من عزّى مصاباً فله مثل أجره»(3).
وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: « من عزّى مصاباً كان له مثل أجره، من غير أن ينقصه الله من أجره شيئاً(4)، ومن كفّن مسلماً كساه الله من سندس وإستبرق وحرير، ومن حفر قبراً لمسلم بنى الله عزّوجل له بيتاً في الجنة، ومن أنظر معسراً أظله الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظله».
وعن جابر أيضا رفعه: «من عزّى حزيناً ألبسه الله عزّ وجلّ من لباس التقوى،
____________
(1) الترغيب والترهيب 3: 357| 20.
(2) الترغيب والترهيب 3: 357| ذيل حديث 20.
(3) الجامع الكبير 1: 801.
(4) الكافي 3: 227| 4 عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: قال رسول الله.

( 106 )
وصلّى على روحه في الأرواح»(1).
وسئل النبيّ صلّى الله عليه وآله عن التصافح في التعزية، فقال: «هو سكن للمؤمن، ومن عزّى مصاباً فله مثل أجره».
وعن عبدالله بن أبي بكر بن محمد بن عمر بن حزم، عن أبيه، عن جدّه، أنّه سمع رسول الله صلّى الله عليه وآله وهو يقول: « من عاد مريضاً فلا يزال في الرحمة، حتى إذا قعد عنده استنقع فيها، ثمّ إذا قام من عنده فلا يزال يخوض فيها، حتى يرجع من حيث خرج، ومن عزّى أخاه المؤمن من مصيبة كساه الله ـ عزّ وجلّ ـ من حلل الكرامة يوم القيامة»(2).
وعن أبي برزة(3) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «من عزّى ثكلى كسي برداً في الجنة»(4).
وعن أنس قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: «من عزّى أخاه المؤمن في (5) مصيبة كساه الله عزّوجلّ حلّة خضراء، يحبربها يوم القيامة». قيل : يا رسول الله، ما يحبربها قال: «يغبط بها»(6).
وروي: أنّ داود عليه السلام قال « إلهي، ماجزاء من يعزّي الحزين والمصاب ابتغاء مرضاتك؟ قال: جزاؤه أن أكسوه رداءً من أردية الإيمان، أستره به من النار، وأدخله به الجنة، قال: يا الهي، فما جزاء من شيّع الجنائز ابتغاء مرضاتك؟ قال: جزاؤه أن تشيّعه الملائكة يوم يموت إلى قبره، وأن أصلّي على روحه في الأرواح»(7).
وروي: أنّ موسى عليه السلام سأل ربه: «مالعائد المريض من الأجر؟ قال: أبعث له عند موته ملائكة يشيعونه إلى قبره، ويؤانسونه إلى المحشر، قال: يا رب فما لمعزي الثلكى من الأجر؟ قال: أظلّه تحت ظلّي ـ أي: ظلّ العرش ـ يوم لا ظلّ إلاّ ظلّي»(8).
____________
(1) الجامع الكبير 1: 801.
(2) الجامع الكبير 1: 800.
(3) في « ح »: بردة.
(4) سنن الترمذي 2: 269| 1082.
(5) في « ح » و « ش »: من، وما أثبتناه من الجامع الكبير.
(6) الجامع الكبير 1: 801.
(7) الدر المنثور 5: 308، ورواه المتقي الهندي في منتخب كنزالعمال 6: 355 باختلاف في ألفاظه.
(8) روى الكليني القسم الثاني من الحديث في الكافي 3: 226| 1 باختلاف يسير، وروى الديلمي في

=


( 107 )
وروي: أنّ إبراهيم عليه السلام سأل ربه، قال: «أي يا رب ماجزاء من يبلّ الدمع وجهه من خشيتك؟ قال: صلواتي ورضواني، قال: فماجزاء من يصبّر الحزين ابتغاء وجهك؟ قال: أكسوه ثياباً من الإيمان يتبوأ بها في الجنة، ويتّقي بها النار، قال: فما جزاء من سدّد الأرملة ابتغاء وجهك؟ قال: اقيمه في ظلّي ، وأدخله جنتي، قال: فما جزاء من يتبع الجنازة ابتغاء وجهك؟ قال: تصلي ملائكتي على جسده، وتشيع روحه».
____________

=

إرشاد القلوب: 43 الحديث كاملأ باختلاف في ألفاظه.

( 108 )
فصل
وأما كيفيتها فقد تقدم خبر المصافحة فيها.
وأمّا ما يقال فيها فما يتفق من الكلمات، ويروى من الأخبار المؤدية إلى السلوة، ولا شيء مثل إيراد بعض ما تضمنته هذه الرسالة، فإنّ فيها شفاءً لمافي الصدور، وبلاغاً وافياً في تحقيق هذه الأمور.
وعن علي عليه السلام قال: «كان رسول الله صلّى الله عليه وآله إذا عزّى قال: آجركم الله ورحمكم، وإذا هنّأ قال: بارك الله لكم، وبارك عليكم».
وروي: أنّه توفي لمعاذ ولد، فاشتدّ وجده عليه، فبلغ ذلك النبي صلّى الله عليه وآله، فكتب إليه:
« بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد رسول الله إلى معاذ، سلام عليك، فإنّي أحمد الله الذي لا إله إلاّ هو.
أما بعد: أعظم الله لك الأجر، وألهمك الصبر، ورزقنا وإياك الشكر، فإن أنفسنا (وأهلينا وموالينا)(1) وأولادنا من مواهب الله ـ عزّوجلّ ـ الهنيئة، وعواريه المستودعة، نمتّع بها إلى أجل معلوم، وتقبض لوقت معدود، ثمّ افترض علينا الشكر إذا أعطانا، والصبر إذا ابتلانا، وكان ابنك من مواهب الله الهنيئة، وعواريه المستودعة، متّعك الله به في غبطة وسرور، وقبضه منك بأجر كثير، الصلاة والرحمة والهدى إن صبرت واحتسبت، فلا تجمعن عليك مصيبتين، فيحبط لك أجرك، وتندم على ما فاتك، فلو قدمت على ثواب مصيبتك، علمت أن المصيبة قصرت في جنب الله عن الثواب، فتنجز من الله موعوده، وليذهب أسفك على ما هو نازل بك، فكأن قد، والسلام»(2).
وعن أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام، عن أبيه، عن جدّه، قال: «لمّا توفي رسول الله صلّى الله عليه وآله جاء جبرئيل عليه السلام، والنبي صلّى الله عليه وآله مسّجى، وفي البيت عليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، فقال:
____________
(1) في « ش »: وأهالينا وأموالنا.
(2) روي باختلاف في ألفاظه في التعازي : 12| 14، ومنتخب كنز العمال 6: 277، والمستدرك على الصحيحين 3: 273.

( 109 )
السلام عليكم يا أهل بيت النبوة(1) ( كلُّ نفس ذائقةُ الموت وإنّما توفّون اُجوركُم يوم القيامة) (2) الآية. ألا إنّ في الله عزّوجلّ عزاء من كل مصيبة، وخلفاً من كلّ هالك، ودركاً لما فات، فبالله عزّوجلّ فثقوا، وإيّاه فارجوا، فإنّ المصاب من حرم الثواب، هذا آخر وطئي(3) من الدنيا»(4).
وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه، قال: لمّا توفي رسول الله صلّى الله عليه وآله عزّتهم الملائكة، يسمعون الحس ولا يرون الشخص، فقالوا: السلام عليكم ـ أهل البيت ـ ورحمة الله وبركاته، إنّ في الله ـ عزّوجلّ ـ عزاء من كل مصيبة، وخلفاً من كل فائت (5)، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإنّما المحروم من حرم الثواب، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته(6).
وروى البيهقي في ( الدلائل ) قال: لمّا قبض رسول الله صلّى الله عليه وآله، أحدق به أصحابه، فبكوا حوله، واجتمعوا، فدخل رجل أشهب اللحية جسيم صبيح، فتخطّى رقابهم، فبكى، ثمّ التفت إلى أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله، فقال: إنّ في الله عزاء من كل مصيبة، وعوضاً من كل فائت، وخلفاً من كل هالك، فإلى الله فأنيبوا، وإليه فارغبوا، ونظره إليكم في البلاء فانظروا، فإنّ المصاب من لم يؤجر، وانصرف، فقال بعضهم لبعض: تعرفون الرجل؟ فقال عليّ عليه السلام: «نعم، هذا أخو رسول الله صلّى الله عليه وآله، الخضر عليه السلام»(7).
____________
(1) في « ش » : الرحمة.
(2) آل عمران 3: 185.
(3) في « ح » و « ش »: وطء، وما أثبتناه من الكافي، أي نزولي إلى الارض لإنزال الوحي.
(4) الكافي 3: 221| 5، والبحار 82 : 96| 47.
(5) في « ح »: هالك.
(6) الكافي 3: 221| 6 باختلاف في ألفاظه عن أبي عبدالله عليه السلام، والبحار 82: 96.
(7) دلائل النبوة 7: 269، ورواه الحاكم في مستدركه 3: 58، والمجلسي في البحار 82: 97.

( 110 )
فصل
وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: «إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصيبته بي، فإنّها من أعظم المصائب»(1).
وعنه صلّى الله عليه وآله: « من عظمت مصيبته فليذكر مصيبته بي، فإنّها ستهون عليه».
وعنه صلّى الله عليه وآله، إنّه قال في مرض موته: «أيّها الناس، أيّما عبد من امّتي اُصيب بمصيبة من بعدي فليتعزّ بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري، فإنّ أحداً من اُمتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصييبتي»(2).
وعن عبدالله بن الوليد بإسناده، لمّا اُصيب عليّ عليه السلام بعثني الحسن إلى الحسين عليهما السلام، وهو بالمدائن، فلمّا قرأ الكتاب قال: «يا لها من مصيبة، ما أعظمها! مع أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قال: من أصيب منكم بمصيبة فليذكر مصابي، فإنّه لن يصاب بمصيبة أعظم منها»(3).
وروى إسحاق بن عمار، عن الصادق عليه السلام، أنّه قال: «يا إسحاق، لا تعدن مصيبة أعطيت عليها الصبر، واستوجبت عليها من الله عزّ وجلّ الثواب، إنّما المصيبة التي يحرم صاحبها أجرها وثوابها، إذا لم يصبر عند نزولها»(4).
وعن أبي ميسرة(5) قال: كنّا عند أبي عبدالله عليه السلام: فجاء رجل وشكا إليه مصيبته، فقال له: «أما إنّك إن تصبر تؤجر، وإلاّ تصبر يمضي عليك قدالله عزّوجلّ الذي قدر عليك (وأنت مذموم)(6)»(7).
____________
(1) الكافي 3: 220| 1 باختلاف في ألفاظه عن أبي عبدالله عليه السلام، الجامع الكبير 1: 41، الجامع الصغير 1: 72.
(2) الجامع الكبير 1: 372 باختلاف في ألفاظه، والبحار 82: 143.
(3) الكافي 3: 220| 3 باختلاف يسير، والبحار 82: 143.
(4) الكافي 3: 224| 7، والبحار 82: 144.
(5) في الكافي الفضيل بن ميسر.
(6) ليس في « ش ».
(7) الكافي 3: 225| 10 باختلاف يسير، والبحار 82: 142.

( 111 )
وعن جابر رضي الله عنه قال: رسول الله صلّى الله عليه وآله: « قال لي جبرئيل عليه السلام، يا محمد، عش ماشئت فإنّك ميت، وأجبب من شئت فإنّك مفارقه، واعمل ماشئت فإنّك ملاقيه»(1).
ــ وروي: أنه كان في بني إسرائيل رجل فقيه عابد عالم مجتهد، وكانت له امرأة، وكان بها معجباً، فماتت فوجدعليها وجداً شديداً، حتى خلا في بيت وأغلق على نفسه واحتجب عن الناس فلم يكن يدخل عليه أحد.
ثم إنّ امرأة من بني إسرائيل سمعت به، فجاءته فقالت: لي إليه حاجة استفتيه فيها، ليس يجزيني إلاّ أن أشافهه بها، فذهب الناس، ولزمت الباب، فأخبر، فأذن لها، فقالـت: أستفتيك في أمر، فقال: ماهو؟ قالـت: إنّي استعرت من جارة لي حلياً، فكنت ألبسه زماناً، ثمّ إنهم أرسلوا إليّ فيه، أفأرده إليهم؟ قال: نعم، قالت:والله إنّه قد مكث عندي زماناً طويلأ(2)، قال: ذاك أحقّ لردّك إياه، فقالت له: رحمك الله، أفتأسف على ماأعارك الله عزّوجلّ، ثمّ أخذه منك، وهو أحقّ به منك؟ فأبصر ما كان فيه، ونفعه الله بقولها(3).
وعن أبي الدرداء قال: كان لسليمان بن داود عليهما السلام ابن يحبه حباً شديداً، فمات فحزن عليه حزناً شديداً، فبعث الله ـ تعالى ـ إليه ملكين في هيئة البشر، فقال: «ما أنتما؟ قالا: خصمان، قال: اجلسا بمنزلة الخصوم، فقال: أحدهما: إني زرعت زرعاً فأتى هذا فأفسده، فقال سليمان عليه السلام: ما يقول هذا؟ قال: أصلحك الله إنه زرع في الطريق، وإنّي مررت به فنظرت يميناً وشمالاً فإذا الزرع، فركبت قارعة الطريق، فكان في ذلك فساد زرعه، فقال سليمان عليه السلام، ماحملك على أن تزرع في الطريق، أما علمت أنّ الطريق سبيل الناس، ولابدّ للناس من أن يسلكوا سبيلهم؟ فقال له أحد الملكين: أو ماعلمت ـ يا سليمان ـ أنّ الموت سبيل الناس، ولا بدّ للناس من أن يسلكوا سبيلهم؟» قال: فكأنّما كشف عن سليمان عليه السلام الغطاء، ولم يجزع على ولده بعد ذلك.
رواه ابن أبي الدنيا(4).
____________
(1) الفقيه 1: 298| 1363 مرسلأ، الجامع الصغير 2: 248| 6077، والبحار 82: 144.
(2) ليس في « ش ».
(3) الموطأ 1: 237 باختلاف في الفاظه، والبحار 82: 154.
(4) أخرجه المجلسي في البحار 82: 154.

( 112 )
وروي أيضا: أنّ قاضياً كان في بني إسرائيل مات له ابن فجزع عليه وساح، فلقيه رجلان فقالا له: اقض بيننا، فقال: من هذا فررت، فقال أحدهما: إنّ هذا مرّ بغنمه على زرعي فأفسده، فقال الآخر: إنّ هذا زرع بين الجبل والنهر، ولم يكن لي طريق غيره، فقال له القاضي: أنت حين زرعت بين الجبل والنهر، ألم تعلم أنّه طريق الناس؟ فقال له الرجل: فأنت حين ولد لك، ألم تعلم أنّه يموت؟ فارجع إلى قضائك، ثم عرجا، وكانا ملكين(1).
وروي: أنه كان بمكة مقعدان، كان لهما ابن شاب، فكان إذا أصبح نقلهما فأتى بهما المسجد، فكان يكتسب عليهما يومه، فإذا كان المساء احتملهما وأقبل بهما منزله، فافتقدهما النبيّ صلّى الله عليه وآله، فسأل عنهما، فقيل: مات ابنهما، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله: «لوترك أحد لأحد لترك ابن المقعدين»(2).
رواه الطبراني.
وروى ابن أبي الدنيا: «لوترك شيء لحاجة أوفاقة، لترك الهذيل لأبويه».
وروي عن بعض العابدات، أنّها قالت: ما أصابتني مصيبة فأذكر معها النار، إلاّ صارت في عيني أصغر من التراب.
____________
(1) أخرجه المجلسي في البحار 82: 155.
(2) أخرجه المجلسي في البحار 82: 155، ورواه البيهقي في سننه 4: 66 باختلاف في ألفاظه.

( 113 )
فصل
ليذكر من اُصيب بمصيبة، أنّ المصائب والبلايا إنّما يخص في الأغلب من لله به مزيد عناية، وله عليه إقبال وإليه توجه، وليتحقق ذلك قبل النظر في الكتاب والسنة فيمن يبتلى في دار الدنيا، فإنّه يجد أشدّ الناس بلاءً أهل الخير والصلاح بعد الأنبياء والرسل، والآيات الكريمة منبئة على ذلك، قال الله تعالى:
(ولولا ان يكون الناس امّةً واحدةً لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضّة ومعارج عليها يظهرون)(1) الآية، وقال تعالى: (ولا يحسبنّ الذين كفروا انّما نملي لهم خيرٌ لانفسهم انّما نملي لهم ليزدادوا اثماً ولهم عذابٌ مهين)(2) وقال تعالى: (وإذا تتلى عليهم آيتنا بيّنات قال الّذين كفروا للّذين آمنوا ايّ الفريقين خير مقاماً واحسن ندياًً * قل من كان في الضّلالة فليمدد له الرّحمن مدَاً)(3).
وروى عبدالرحمن بن الحجاج قال: ذكر عند أبي عبدالله عليه السلام البلاء، وما يختص الله عزّوجلّ به المؤمن، فقال: «سئل رسول الله صلّى الله عليه وآله: من أشد الناس بلاءً في الدنيا؟ فقال: النبيون، ثمّ الأمثل فالأمثل، ويبتلى المؤمن بعد على قدر إيمانه وحسن أعماله، فمن صحّ إيمانه وحسن عمله اشتدّ بلاؤه، ومن سخف إيمانه، وضعف علمه قلّ بلاؤه»(4).
وروى زيد الشحام عن أبي عبدالله عليه السلام قال: « إنّ عظيم الأجر مع عظيم البلاء، وما أحبّ الله ـ عزّ وجلّ ـ قوماً إلاّ ابتلاهم»(5).
وعن أبي بصير، عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: «إنّ لله عزّوجلّ عباداً في الأرض من خالص عباده، ما ينزل من السماء تحفة إلى الأرض إلاّ صرفها عنهم إلى غيرهم، ولا بليّة إلاّ صرفها إليهم»(6).
وعن الحسين بن علوان، عنه عليه السلام، أنّه قال: «إنّ الله تعالى إذا أحبّ
____________
(1) الزخرف 43: 33.
(2) آل عمران 3: 178.
(3) مريم 19: 73 و 75.
(4) الكافي 2: 196| 2.
(5) الكافي 2: 196| 3.
(6) الكافي 2: 196| 5، تنبيه الخواطر 2: 204، وباختلاف يسيرفي التمحيص 35| 26.

( 114 )
عبداً غته(1) بالبلاء غتاً(2)، وإنّا وإياكم لنصبح به ونمسي»(3).
وعن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: «إنّ الله تبارك وتعالى إذا أحب عبداً غتّه بالبلاء غتّاً (وسجّه بالبلاء سجاً)(4) فإذا دعاه قال: لبيك عبدي لئن عجلت لك ماسألت إني على ذلك لقادر، ولكن ادخرت لك ، فما ادخرت خير لك»(5).
وعن أبي عبدالله عليه السلام قال: «قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: إنّ عظيم البلاء يكافأ به عظيم الجزاء، فإذا أحبّ الله عبدا ابتلاه بعظيم البلاء، فمن رضي فله عندالله تعالى الرضا، ومن سخط البلاء فله عندالله السخط»(6).
وعن أبي جعفر عليه السلام أنّه قال: «إنّما يبتلى المؤمن في الدنيا على قدر دينه ـ أو قال: ـ على حسب دينه»(7).
وعن ناجية قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: إنّ المغيرة يقول: إنّ الله لا يبتلي المؤمن بالجذام ولا بالبرص ولا بكذا ولا بكذا، فقال: «إن كان لغافلأ عن مؤمن آل ياسين، إنّه كان مكنَعاً(8) ـ ثمّ ردّ أصابعه، فقال ـ: كأنّي أنظر إلى تكنيعه، أتاهم فأنذرهم، ثمّ عاد إليهم من الغد فقتلوه ـ ثمّ قال ـ: إنّ المؤمن يبتلى بكلّ بلية، ويموت بكل ميته، إلاّ أنّه لا يقتل نفسه»(9).
وعن عبدالله بن أبي يعفور قال: شكوت إلى أبي عبدالله عليه السلام ماألقى من الأوجاع ـ وكان مسقاماً ـ فقال لي: «يا عبدالله، لو يعلم المؤمن ما له من الأجر في المصائب، لتمنّى أن يقرّض بالمقاريض(10)»(11).
____________
(1) الغت: الغمس المتتابع بالماء.« النهاية 3: 342».
(2) في « ح » زيادة: وسجه بالبلاء سجا.
(3) الكافي 2: 197| 6.
(4) في « ش »: شجه بالبلاء شجا، والصحيح ثجه بالبلاء ثجا، أي: صبه عليه صباً. « مجمع البحرين 2: 283».
(5) الكافي 2: 197| 7، التمحيص: 34| 25، باختلاف يسير.
(6) الكافي 2: 197| 8، وروي باختلاف يسير عن ابي عبدالله في التمحيص: 33| 20.
(7) الكافي 2: 197| 9، مشكاة الأنوار: 298.
(8) المكنع: مقفّع اليد، وقيل مقفع الاصابع، يابسها، متقضبها.« لسان العرب 8: 314».
(9) الكافي 2: 197| 12، تنبيه الخواطر 2: 204 باختلاف يسير.
(10) في « ح » زيادة: طول عمره.
(11) الكافي 2: 198| 15، تنبيه الخواطر 2: 204، وروي باختلاف يسير في المؤمن: 15| 3، التمحيص: 32| 13.

( 115 )
وعن أبي عبدالله عليه السلام: «إنّ أهل الحق (1) لم يزالوا في شدة، أما إنّ ذلك إلى مدّة قليلة وعافية طويلة»(2).
وعن حمدان، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: «إنّ الله ـ عزّوجلّ ـ ليتعاهد المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الرجل أهله بالهدية، من الغيبة ويحميه الدنيا كما يحمي الطبيب المريض»(3).
وعن أبي عبدالله قال: «دعي النبيّ صلّى الله عليه وآله إلى طعام، فلمّا دخل إلى منزل الرجل نظر إلى دجاجة فوق حائط قد باضت، فتقع البيضة على وتد في حائط فتثبت عليه ، ولم تسقط ولم تنكسر، فتعجّب النبيّ صلّى الله عليه وآله منها، فقال له الرجل: أعجبت من هذه البيضة؟ فوالّذي بعثك بالحق ما رزئت شيئاً قط، فنهض رسول الله صلّى الله عليه وآله، ولم يأكل من طعامه شيئاً، وقال: من لم يرزأ فما لله فيه من حاجة»(4).
وأشباه هذه الأخبار كثيرة، فلنقتصر على هذا القدر.
____________
(1) ليس في « ش » ، و في « ح »: الله، وما أثبتناه من الكافي.
(2) الكافي 2: 198| 16.
(3) الكافي: 2: 198| 17، تنبيه الخواطر 2: 204، وروي باختلاف في ألفاظه في التمحيص: 50| 91.
(4) الكافي 2: 198| 20.

( 116 )
ــ ونختم الرسالة بكتاب شريف، كتبه سيدنا ومولانا أبو عبدالله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام لجماعة من بني عمّه، حين أصابتهم شدّة من بعض الأعداء على وجه التعزية، رويناها بإسنادنا إلى الشيخ أبي جعفر الطوسيّ ـ قدّس الله روحه ـ عن الشيخ المفيد محمد بن النعمان، والحسين بن عبيدالله الغضائريّ، عن الصدوق أبي جعفر محمد بن عليّ بن بابويه، عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن الثقة الجليل محمد بن أبي عمير، عن إسحاق بن عمار، قال: إنّ أبا عبدالله جعفر بن محمد عليهما السلام كتب إلى عبدالله بن الحسن، حين حمل هو وأهل بيته، يعزّيه عمّا صار إليه:

«بسم الله الرحمن الرحيم
إلى الخلف الصالح والذريّة الطيّبة ـ من ولد أخيه وابن عمه ــ.
أمّا بعد: فلئن كنت قد تفردت ـ أنت وأهل بيتك ممّن حمل معك ـ بما أصابكم، فما انفردت بالحزن والغيظ والكآبة وأليم وجع القلب دوني، ولقد نالني من ذلك من الجزع والقلق وحرّ المصيبة مثل مانالك، ولكن رجعت إلى ما أمرالله عزّ وجلّ به المتقين من الصبر وحسن العزاء، حين يقول لنبيّه صلّى الله عليه وآله: (واصبر لحكم ربّك فانّك بأعيننا)(1).
وحين يقول: (فاصبر لحكم ربّك ولا تكن كصاحب الحوت)(2).
وحين يقول لنبيّه صلّى الله عليه وآله، حين مثّل بحمزة: (وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خيرٌ للصّابرين)(3).
فصبر رسول الله صلّى الله عليه وآله ولم يعاقب.
وحين يقول: (وامر اهلك بالصّلاة واصطبر عليها لانسألك رزقاً نحن نرزقك والعاقبة للتقوى)(4)،
____________
(1) الطور 52: 48.
(2) القلم 68: 48.
(3) النحل 16: 126.
(4) طه: 20: 132.

( 117 )
وحين يقول: (الّذين اذا اصابتهم مصيبةٌ قالوا انّا لله وانّا اليه راجعون * اولئك عليهم صلواتٌ من ربّهم ورحمةُ واولئك هم المهتدون)(1).
وحين يقول: (انّما يوفّى الصّابرون اجرهم بغير حساب)(2).
وحين يقول عن لقمان لابنه: (واصبر على مااصابك انّ ذلك من عزم الامور)(3)،
وحين يقول عن موسى عليه السلام: (قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا انّ الارض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتّقين)(4).
وحين يقول: (الّذين آمنوا وعملوا الصّالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصّبر)(5).
وحين يقول: (ولنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الاموال والانفس والثّمرات وبشّر الصّابرين)(6).
وحين يقول: (والصّابرين والصّابرات)(7).
وحين يقول: (واصبر حتّى يحكم الله وهو خير الحاكمين)(8) وأمثال ذلك من القرآن كثير.
واعلم ـ أيّ عمّ وابن عمّ ـ أنّ الله ـ عزّوجلّ ـ لم يبال بضرّ الدنيا لوليّه ساعة قط، ولا شيء أحب إليه من الضرّ والجهد واللأواء(9) مع الصبر، وأنّه ـ تبارك وتعالى ـ لم يبال بنعيم الدنيا لعدوه ساعة واحدة قط.
ولولا ذلك ما كان أعداؤه يقتلون أولياءه ويخيفونهم ويمنعونهم، وأعداؤه آمنون مطمئنون عالون ظاهرون.
ولولا ذلك لما قتل زكريا ويحيى بن زكريا ظلماً وعدواناً في بغيّ من البغايا.
____________
(1) البقرة 2: 156، 157.
(2) الزمر 39: 10.
(3) لقمان 31: 17.
(4) الأعراف 7: 128.
(5) العصر 103: 3.
(6) البقرة 2: 155.
(7) الاحزاب 33: 35.
(8) يونس 10: 109.
(9) اللأواء: الشدّة. « الصحاح ـ لأى ـ 6: 2478».

( 118 )
ولولا ذلك لما قتل جدّك عليّ بن أبي طالب عليه السلام ـ لمّا قام بأمر الله جل وعزّ ـ ظلماً، وعمّك الحسين بن فاطمة ـ صلّى الله عليهما ـ اضطهاداً وعدواناً.
ولولا ذلك لما قال الله عزّوجلّ في كتابه: ( ولولا ان يكون النّاس امّةً واحدةً لجعلنا لمن يكفر بالرّحمن لبيوتهم سقفاً من فضّة ومعارج عليها يظهرون)(1).
ولولا ذلك لما قال في كتابه: (ايحسبون انّما نمدّهم به من مال وبنين * نسارع لهم في الخيرات بل يشعرون)(2).
ولولا ذلك لما جاء في الحديث: «لولا أن يحزن المؤمن لجعلت للكافر عصابة من حديد، فلا يصدع رأسه أبداً».
ولولا ذلك لما جاء في الحديث: « أن الدنيا لا تساوي عندالله عزّوجلّ جناح بعوضة».
ولولا ذلك ما سقى كافراً منها شربة ماء.
ولولا ذلك لما جاء في الحديث: «لو أنّ مؤمناً على قلة جبل لا بتعث الله له كافراً أو منافقاً يؤذيه».
ولولا ذلك لما جاء في الحديث أنّه: «إذا أحبّ الله قوماً ـ أو أحب عبداً ـ صبّ عليه البلاء صبّاً، فلا يخرج من غمّ إلاّ وقع في غمّ».
ولولا ذلك لما جاء في الحديث: «ما من جرعتين أحبّ إلى الله تعالى أن يجرعهما عبده المؤمن في الدنيا، من جرعة غيظ كظم عليها، وجرعة حزن عند مصيبة صبر عليها بحسن عزاء واحتساب».
ولولا ذلك لما كان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله يدعون على من ظلمهم بطول العمر، وصحة البدن، وكثرة المال والولد.
ولولا ذلك ما بلغنا: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله كان إذا خصّ رجلأ بالترحّم عليه والاستغفار استشهد.
فعليكم ـ يا عمّ وابن عمّ وبني عمومتي واخوتي ـ بالصبر والرضا والتسليم والتفويض إلى الله عزّوجلّ، والرضا والصبر على قضائه، والتمسك بطاعته، والنزول عند أمره.
____________
(1) الزخرف 43: 33.
(2) المؤمنون 23: 55، 56.

( 119 )
أفرغ الله علينا وعليكم الصبر، وختم لنا ولكم بالسعادة، وأنقذنا وإيّاكم من كلّ هلكة بحوله وقوته، إنّه سميع قريب.
وصلّى الله على صفوته من خلقه، محمد النبيّ وأهل بيته صلوات الله وسلامه وبركاته ورحماته عليهم أجمعين»(1).
هذا آخر التعزية بلفظها، نقلتها من كتاب « التتمات والمهمات » وعليها نختم الرسالة حامدين لله تعالى على نواله، مصلّين على صاحب الرسالة، وعلى آله أهل العصمة والعدالة.
ولقد فرغ منها مؤلفها العبد الفقير إلى الله تعالى زين الدين علي بن أحمد الشاميّ العامليّ عامله الله بفضله وعفا عنهم بمنه وسط نهار الجمعة، غرّة شهر رجب المرجب الفرد الحرام، عام أربعة وخمسين وتسعمائة حامداً مصلياً مسلماً مستغفراً والحمد لله وحده، وصلاته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
____________
(1) إقبال الأعمال: 578 باختلاف يسير، ونقله في البحار 82: 145 عن مسكن الفؤآد.